محمد زياد بن عمر التكلة

محمد زياد التكلة

الفصل الأول: النشأة، والجذور، والتكوين العلمي المبكر

1.1 المولد والبيئة الدمشقية: الجذور الأولى

وُلد أبو عمر، محمد زياد بن عمر التكلة، في مدينة دمشق العريقة، حاضرة الأمويين ومنارة العلم الشرعي عبر القرون. تشير البيانات البيبليوغرافية إلى أن ولادته كانت في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وتحديداً وتشير بعض المصادر إلى عام 1974م أو 1977م. نشأ التكلة في كنف أسرة دمشقية محافظة، تُقدر العلم والعلماء. والده هو السيد عمر التكلة، الذي كان له دور بارز في توجيه ابنه نحو العلم الشرعي منذ نعومة أظفاره.

لم تكن دمشق في تلك الفترة مجرد مكان للميلاد، بل كانت بيئة ضاخة بالعلماء والمدارس التقليدية، ورغم أن التكلة غادرها في سن مبكرة نسبياً، إلا أن “الهوية الشامية” ظلت حاضرة في تكوينه، سواء في اهتمامه اللاحق بتراجم علماء الشام، أو في تحقيقه لبعض النصوص المتعلقة بفضائل الشام وأهلها.

1.2 الانتقال إلى الرياض: التأسيس في “الديار النجدية”

مثّل انتقال الأسرة إلى المملكة العربية السعودية، وتحديداً إلى العاصمة الرياض، نقطة التحول المحورية في مسار التكلة العلمي. في الرياض، وجد التكلة نفسه في قلب بيئة سلفية أثرية نشطة، تزخر بكبار العلماء والمحدثين.

تلقى التكلة تعليمه النظامي بجميع مراحله (الابتدائية، المتوسطة، الثانوية) في مدارس الرياض، وصولاً إلى التعليم الجامعي. لكن التعليم النظامي لم يكن سوى رافدٍ واحدٍ من روافد تكوينه؛ إذ انخرط بشكل مكثف في “التعليم المسجدي” وحلقات العلم التقليدية التي كانت تعج بها مساجد الرياض في الثمانينيات والتسعينيات.

1.3 التحصيل الأكاديمي العالي: الدكتوراه في الفقه وأصوله

لم يكتفِ التكلة بالمسار التقليدي، بل توجه لتوثيق تحصيله علمياً عبر المسار الأكاديمية. التحق ببرامج الدراسات العليا، وتُوجت رحلته الأكاديمية بحصوله على درجة الدكتوراه من جامعة صنعاء، كلية الآداب، قسم الدراسات الإسلامية. كان تخصصه الدقيق في “الفقه وأصوله”، وهو ما يمنح باحث الحديث بُعداً فقهاً ضرورياً لفهم المتون. حملت أطروحته للدكتوراه عنوان: “تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام: تحقيق ودراسة”.

دلالة العنوان: يشير اختيار هذا العنوان إلى اهتمام مبكر لدى التكلة بتحقيق نصوص “السياسة الشرعية” و”الأحكام السلطانية”، وهي مساحة تتطلب دقة عالية في التعامل مع النصوص التراثية وفهم سياقاتها التاريخية. المنهجية: جمعت الأطروحة بين “التحقيق” (إخراج النص المخطوط) و”الدراسة” (تحليل المحتوى الفقهي)، وهو النهج الذي سيسم مسيرته العلمية اللاحقة.

الفصل الثاني: الرحلة في طلب الإسناد والمشيخة (السجل الذهبي)

يُعد الشيخ محمد زياد التكلة ظاهرة فريدة في العصر الحديث من حيث سعة الرواية وكثرة الشيوخ. أحيا سنة “الرحلة في طلب الحديث” التي كادت تندثر، فلم يترك بلداً يُظن فيه وجود “إسناد عالٍ” إلا ورحل إليه. تشير إحصائيات أثباته إلى أن عدد شيوخه تجاوز الألف شيخ، انتخب منهم (500) في بعض معاجمه.

2.1 المدرسة النجدية: العلاقة الاستثنائية مع الشيخ عبد الله بن عقيل

لا يمكن الحديث عن سيرة التكلة دون الوقوف مطولاً عند محطته الأهم والأبرز: ملازمته لشيخ الحنابلة ومسند العصر، العلامة عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل (ت 1432هـ).

  • طبيعة العلاقة: لم تكن علاقة عابرة، بل كانت ملازمة تامة امتدت لسنوات طويلة في الرياض. كان التكلة بمثابة “الابن البار” و”الوراق الأمين” للشيخ ابن عقيل.
  • القراءة والسماع: قرأ التكلة على الشيخ ابن عقيل جملة ضخمة من أمهات الكتب في الفقه الحنبلي، والحديث، والتفسير. وتُعد هذه القراءات من أوثق القراءات المعاصرة نظراً لضبط الشيخ ابن عقيل ودقته.
  • التوثيق: أثمرت هذه العلاقة عن عمل موسوعي ضخم هو كتاب “فتح الجليل في ترجمة وثبت شيخ الحنابلة عبد الله بن عبد العزيز العقيل”، الذي ألفه وحققه التكلة.
  • النيابة عن الشيخ: بلغ من ثقة الشيخ ابن عقيل بالتكلة أنه كان يعتمد عليه في تحرير أسانيده، ومراجعة إجازاته.

2.2 شيوخ الرياض والحجاز

نهل التكلة من معين كبار علماء المملكة العربية السعودية مثل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن عبد الغني خياط إمام الحرم المكي، والشيخ سعد بن عبد الله الحميد المحدث والمحقق المعروف، حيث تأثر بمنهجيتهم في تخريج الحديث ونقد الأسانيد.

2.3 الانفتاح على المدرسة الهندية والباكستانية

أدرك التكلة أن “علو الإسناد” في هذا العصر قد استقر في شبه القارة الهندية. فقام برحلات متعددة التقى فيها بشيخ الحديث محمد يونس الجونفوري، والشيخ ظهير الدين المباركفوري، والشيخ عبد القيوم البستوي، محققاً بذلك علواً نادراً في الرواية.

2.4 المدرسة الشامية والمغربية

جمع أطراف المجد الإسنادي من علماء دمشق وحلب، بالإضافة إلى صلته الوثيقة بالعلامة المغربي محمد بن الأمين بوخبزة التطواني، حيث حرر مروياته وناقشه في أسانيده بدقة علمية.

جدول رقم (1): توزيع جغرافي لأبرز شيوخ ومجيزي الشيخ زياد التكلة

المنطقة الجغرافية أبرز الشيوخ والأعلام طبيعة الأخذ والتلقين
نجد (السعودية) عبد الله بن عقيل، عبد العزيز بن باز، سعد الحميد ملازمة طويلة، قراءة كتب كاملة، بحث وتحقيق، إجازة عامة وخاصة.
الحجاز (السعودية) عبد الله خياط، محمد بن عبد الله الصومالي حضور دروس، إجازة، استفادة من المنهج التربوي.
الهند وباكستان محمد يونس الجونفوري، ظهير الدين المباركفوري، عبد القيوم البستوي رحلة خاصة، سماع المسلسلات، إجازة في الكتب الستة، علو إسناد.
المغرب العربي محمد بوخبزة التطواني زيارة، قراءة، تحرير مرويات، مناقشة أسانيد.

الفصل الثالث: المنهجية العلمية.. بين “الرواية” و”الدراية”

3.1 المعركة ضد الانتحال: قضية “مصنف عبد الرزاق”

تُعد تصدي الشيخ التكلة لكتاب “الجزء المفقود من مصنف عبد الرزاق” واحدة من أهم معاركه العلمية. ألف كتاباً بعنوان “مجموع في كشف حقيقة الجزء المفقود المزعوم من مصنف عبد الرزاق”، استخدم فيه النقد المادي والإسنادي والمتني والتتبع التاريخي لإثبات زيف المخطوطة وحماية السنة من الدخيل.

3.2 التحقيق المخطوط: اكتشافات في السيرة والسنة

نشر دراسة حول “مغازي موسى بن عقبة” وصحح نسبة كتاب “المنتقى” منها. كما بشر باكتشاف نسخ خطية جديدة من “صحيح ابن حبان” (نسخة الجزائر ودهلي) لترميم السقط في الطبعات المتداولة.

3.3 الفقه الحديثي: تحرير المسائل

ناقش مسائل دقيقة مثل حديث “صيام السبت”، وأحاديث “الحجامة”، وحديث “الغيل”، ممارساً الفقه الحديثي ببراعة ومنهج يجمع بين الأدلة.

الفصل الرابع: المشاريع الموسوعية والإنتاج العلمي

4.1 “جمهرة مستخرجات الجرح والتعديل”: مشروع العمر

يُعد هذا الكتاب (4 مجلدات) أهم أعمال التكلة المطبوعة حديثاً (2022م)، حيث استخلص أكثر من (6000) ترجمة من نحو (1200) كتاب ومصدر.

4.2 “فتح الجليل” و “ثبت الكويت”

وثق التكلة الأسانيد النجدية في “فتح الجليل”، كما وثق الحركة الحديثية في الخليج عبر كتاب “ثبت الكويت”.

عنوان الكتاب النوع الوصف والمحتوى
جمهرة مستخرجات الجرح والتعديل تأليف/جمع 4 مجلدات، 6000 ترجمة مستخرجة من 1200 مصدر.
فتح الجليل في ترجمة وثبت ابن عقيل تأليف/تحقيق توثيق شامل لحياة ومرويات شيخ الحنابلة عبد الله بن عقيل.
مجموع في كشف حقيقة الجزء المفقود نقد/ردود دراسة نقدية تفند نسبة مخطوطة مزورة لعبد الرزاق الصنعاني.

الفصل الخامس والسادس والسابع: الدور العالمي والسمات

5. إحياء مجالس السماع

كان التكلة محركاً ميدانياً لإحياء سنة مجالس السماع في الكويت وتركيا (إسطنبول)، حيث لعب دور الموثق والضابط لهذه المجالس الحديثية الكبرى.

6. التواجد في الغرب (بريطانيا) والدعوة الرقمية

انتقل للإقامة في بريطانيا (ليستر ولندن)، حيث تواصل مع الجاليات الإسلامية عبر جمعية إنسان وصالونها الثقافي. كما برز دوره في “بودكاست سند” الذي يطرح مادة تخصصية دسمة حول علم الرواية.

7. السمات الشخصية والفكرية

يتميز بالحيادية والموضوعية، والانتماء للمدرسة الأثرية السلفية، والوفاء للمشايخ وتوثيق سيرهم، مع موسوعية واطلاع واسع في فهارس المكتبات العالمية.

خاتمة: التكلة.. ذاكرة العصر الحديثية

يظهر الشيخ الدكتور محمد زياد التكلة كقامة علمية فريدة في المشهد الإسلامي المعاصر. إنه يمثل “الذاكرة الحديثية” التي تربط الأجيال الجديدة بتراث الأسلاف. استطاع أن يعيد الاعتبار لـ “علم الرواية” كعلم حي وحيوي، وليس مجرد تراث متحفي. إن وجود أمثال الشيخ التكلة في المراكز البحثية الغربية، ونشاطهم عبر الوسائط الرقمية، يعد ضمانة لاستمرار انتقال “السند” نقياً وموثقاً.

جدول ملحق: التسلسل الزمني لأهم المحطات في حياة الشيخ محمد زياد التكلة

الفترة/السنة الحدث/المحطة العلمية الأثر العلمي
السبعينيات الولادة في دمشق النشأة الأولى والجذور الشامية.
2007-2008م نشر “فتح الجليل” و “الرد على الجزء المفقود” بروز اسمه كمحقق وناقد حديثي بارز.
2020-الآن الاستقرار في بريطانيا بودكاست “سند”، نشر “جمهرة المستخرجات” (2022).

 

Visited 27 times, 1 visit(s) today
Scroll to Top