فرهاد عبدي شاهين
(مظلوم عبدي)
مسيرة القائد العسكري والسياسي بين الحرب والدبلوماسية
النشأة والتكوين
النشأة في “حلنج”: البيئة الاجتماعية والدينية
ولد فرهاد عبدي شاهين في قرية “حلنج” التابعة لمدينة كوباني (عين العرب) في ريف حلب الشمالي الشرقي، وتشير أكثر المصادر دقة إلى أن ولادته كانت حوالي عام 1967. ينحدر عبدي من عائلة كردية سورية عريقة، اتسمت بوضع اجتماعي مرموق في محيطها المحلي.
الخلفية الدينية والمذهبية:
نشأ فرهاد عبدي في بيئة مسلمة سنية، وهي الهوية الدينية الغالبة على أكراد تلك المنطقة. ومع ذلك، فإن المسار الذي اختطه لنفسه لاحقاً يشير بوضوح إلى تبنيه نهجاً علمانياً يفصل الدين عن السياسة بشكل جذري.
شائعات التحول الديني:
واجه عبدي، ولا سيما خلال فترة قيادته لقوات سوريا الديمقراطية، حملات إعلامية ومزاعم تتحدث عن تحوله إلى المسيحية. استندت هذه الشائعات إلى حمايته المباشرة للكنائس في مناطق شمال شرق سوريا، وعلاقاته الوثيقة مع المجلس العسكري السرياني، والسماح بنشاط الكنائس الإنجيلية في كوباني. إلا أن التحليل الموضوعي وسيرته الذاتية يؤكدان أنه بقي على خلفيته الثقافية السنية مع التزام أيديولوجي صارم بالعلمانية الديمقراطية التي ترفض تسييس الدين، وهو ما جعله هدفاً للجماعات السلفية الجهادية من جهة، ومحل تشكيك من قبل القوى المحافظة من جهة أخرى.
شائعة “صندوق البويا”:
تداولت بعض الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الأوساط المعارضة له روايات تزعم أن عبدي عمل في شبابه بمهنة “ماسيح أحذية” (صندوق بويا) في شوارع دمشق أو حلب. تهدف هذه الروايات في الغالب إلى الانتقاص من مكانته السياسية أو التنمر عليه طبقياً، إلا أنه لا توجد مصادر موثوقة أو أدلة ملموسة تؤكد هذه المزاعم. وفي المقابل، يرى أنصاره أنه حتى لو صحت مثل هذه الروايات، فهي لا تزيد القائد إلا شرفاً كونها تعكس كفاحاً شخصياً وبدايات متواضعة من صلب معاناة الشعب، لكن المسار الأكاديمي له كخريج هندسة مدنية يتناقض مع هذه السردية التي تصنف غالباً ضمن “الدعاية السوداء” أو الحروب النفسية المتبادلة في سياق الصراع السوري.
التكوين الأكاديمي والوعي السياسي المبكر
انتقل عبدي إلى مدينة حلب لإكمال تعليمه الجامعي، حيث التحق بكلية الهندسة المدنية في جامعة حلب. فترة الثمانينات في الجامعات السورية كانت تموج بالتيارات السياسية السرية، وكان الطلاب الأكراد يبحثون عن هوية سياسية تمايزهم عن الأحزاب الكردية التقليدية التي اعتبروها “مترهلة”. تخرج عبدي مهندساً مدنياً، لكن الهندسة لم تكن سوى محطة عابرة نحو هندسة من نوع آخر: هندسة التنظيمات المسلحة والعمل السياسي.
الفصل الثاني: في “أكاديمية” أوجلان.. الصعود التنظيمي (1990 – 1997)
الانخراط في حزب العمال الكردستاني (PKK)
في عام 1990، اتخذ المهندس الشاب قراره المصيري بالانضمام إلى صفوف حزب العمال الكردستاني (PKK). في تلك الحقبة، كانت سوريا، بقيادة حافظ الأسد، توفر ملاذاً آمناً وزعيم الحزب عبد الله أوجلان، مستخدمة الحزب كورقة ضغط جيوسياسية ضد تركيا في ملفات المياه والأمن والحدود.
العلاقة مع عبد الله أوجلان:
تكتسب علاقة عبدي بأوجلان أهمية استثنائية في فهم تكوينه النفسي والقيادي.
“الابن بالتبني”:
تروج السردية التركية الرسمية، والتي كررها الرئيس رجب طيب أردوغان في رسائله للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن عبدي هو “الابن بالتبني” لعبد الله أوجلان.
التحليل الموضوعي للعلاقة:
تشير المصادر المحايدة إلى أن عبدي كان من أقرب المقربين لأوجلان خلال إقامته في سوريا، حيث رافقه شخصياً وظهر معه في صور نادرة تعود لفترة التسعينات. لم تكن العلاقة بنوة بيولوجية، بل “بنوة روحية وحزبية”، حيث تشرب عبدي الفكر الأوجلاني مباشرة من المنبع، مما منحه لاحقاً شرعية ثورية عالية داخل التنظيم تفوق شرعية قادة يكبرونه سناً.
الاعتقال والعمل السري في سوريا
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ فقد تعرض عبدي للاعتقال من قبل أجهزة الأمن السورية خمس مرات خلال التسعينات. تعكس هذه الاعتقالات طبيعة العلاقة معقدة بين دمشق والـ PKK آنذاك: “دعم موجه ضد تركيا، وقمع موجه ضد أي نشاط يستهدف الداخل السوري”. هذه التجربة في السجون السورية منحته فهماً عميقاً لعقلية النظام الأمني، وهو ما سيفيده لاحقاً في مفاوضاته الماراثونية مع دمشق بعد عام 2011.
الفصل الثالث: السنوات الأوروبية وبناء الشبكات الدولية (1997 – 2003)
الانتقال إلى أوروبا: “شاهين جيلو” الدبلوماسي
في عام 1997، ومع تزايد الضغوط التركية على سوريا (التي أدت لاحقاً لاتفاقية أضنة 1998 وخروج أوجلان)، غادر عبدي سوريا متوجهاً إلى أوروبا. اتخذ في هذه المرحلة الاسم الحركي “شاهين جيلو” (Şahin Cilo).
ألمانيا وهولندا:
عمل عبدي في هذه الدول على تنظيم الجاليات الكردية، وجمع التبرعات، وإدارة العمل السياسي والإعلامي للحزب. اكتسب في أوروبا مهارات “القوة الناعمة”، وفهم آليات عمل البرلمانات وبناء شبكات علاقات مع اليسار الأوروبي.
الفصل الرابع: العودة للشرق وقيادة العمليات الخاصة (2003 – 2011)
جبال قنديل والهيكلية العسكرية
بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، عاد عبدي إلى المنطقة، متخذاً من جبال قنديل في شمال العراق مقراً له. تدرج في المناصب العسكرية الرفيعة داخل قوات الدفاع الشعبي (HPG)، الجناح العسكري للحزب:
- عضوية القيادة العليا (2005): أصبح عضواً في المجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK).
- قيادة العمليات الخاصة (2009-2011): تولى مسؤولية التخطيط للعمليات النوعية والتدريب المتقدم للكوادر النخبة.
المطلوب رقم 1: القائمة الحمراء
وضعت تركيا عبدي على القائمة الحمراء للمطلوبين، ورصدت مكافأة مالية ضخمة (9 ملايين ليرة تركية). تتهمه أنقرة بالضلوع في هجمات داخل الأراضي التركية، مما يجعل التفاوض معه “خطاً أحمر” بالنسبة لها.
الثورة السورية وبناء القوة (2011 – 2024)
تأسيس “قسد” والتحالف الدولي
عاد مظلوم عبدي إلى سوريا في عام 2011/2012 حاملاً مشروعاً تنظيمياً. أشرف على تأسيس وحدات حماية الشعب (YPG) وتبنى استراتيجية “الخط الثالث” بالنأي عن الصراع بين النظام والمعارضة.
معركة كوباني (2014): قاد المعركة من داخل المدينة المحاصرة، ونسق الضربات الجوية مع التحالف الدولي. وفي قرار تاريخي، طلب قصف منزل عائلته بعد تحصن داعش فيه، مفضلاً القضية على الممتلكات الشخصية.
تأسيس قسد (2015): دامجاً المكونات العربية والمسيحية مع الكردية، قاد حملة تحرير الرقة (2017) والباغوز (2019). كما لعبت استخباراته دوراً محورياً في تصفية أبو بكر البغدادي عبر زرع عميل جلب عينة من حمضه النووي.
التحولات الكبرى (2024 – 2026)
سقوط النظام واتفاق دمشق
في ديسمبر 2024، ومع انهيار نظام الأسد وتولي أحمد الشرع السلطة، أظهر عبدي براغماتية عالية. توجه لدمشق ووقع اتفاق 10 مارس 2025 لدمج 100 ألف مقاتل في الجيش السوري مقابل ضمانات حقوقية وثقافية.
أزمة 2026: بدأت الخلافات حول “المرسوم 20” والعدالة الانتقالية. في 19 يناير 2026، رفض عبدي نزع السلاح دون ضمانات دستورية، مما أدى لاشتباكات ميدانية وضعت الاتفاق على المحك.
البعد الإنساني والشخصي
تعرضت عائلة عبدي لمآسي متتالية؛ تدمير منزلهم، وفاة والدته “خزنة حاجي حسين” في 2025، واختطاف أفراد من عائلته. يوصف بالهدوء الشديد والقدرة على الاستماع، وبكاريزما هادئة مكنته من كسب ثقة العشائر العربية والجنرالات الأمريكيين.
ملاحق بيانية واستراتيجية
المصادر:
Military Wiki | Syrian Observer | Wikipedia | Al-Monitor | Kurdistan24




