الستريمر سبيد

من هو الستريمر سبيد؟

تمهيد: ظاهرة «سبيد» (IShowSpeed) ليست مجرد شاب يضحك الناس على البث المباشر؛ بل تمثِّل تحوّلًا كبيرًا في طريقة تشكيل عقول الشباب عبر الـ«ستريمرز» ومنصات الفيديو. سؤالك في مكانه؛ لأن تأثيره اليوم على أولاد المسلمين – خاصة في العالم العربي – صار واضحًا وملموسًا.

أولًا: من هو سبيد؟

اسمه الحقيقي: دارِن جايسون واتكنز الابن (Darren Jason Watkins Jr)، أمريكي من مدينة سينسيناتي – أوهايو، وُلِد عام 2005، واشتهر بلقب IShowSpeed أو «سبيد» فقط، وهو من أشهر الستريمرز واليوتيوبرز في العالم حاليًّا.

بدأ قناته على يوتيوب عام 2016 بمحتوى ألعاب مثل NBA 2K وFortnite، لكن شهرته الكبرى انطلقت حوالي 2021؛ بسبب ردّات فعله العنيفة والمبالغ فيها أثناء اللعب، والصراخ، والشتائم، والمقالب الغريبة، ما جعله ظاهرة فيروسية على تيك توك ويوتيوب.

اليوم يملك عشرات الملايين من المتابعين على يوتيوب، وإنستغرام، وتيك توك، ويُعتبَر من أكثر الشخصيات حضورًا وتأثيرًا على الإنترنت بين المراهقين والشباب.


ثانيًا: لماذا هو مؤثِّر جدًّا على الشباب؟

تأثير سبيد لا يأتي فقط من عدد المتابعين، بل من طبيعة «العلاقة» بينه وبين جمهوره:

1. أسلوبه العاطفي والمبالغ فيه

يصرخ، يبكي، يضحك بهستيريا، يكسر الأشياء، يغضب، يشتم… هذا النمط المسرحي السريع يناسب طبيعة منصات «المقاطع القصيرة» التي تغذِّي الإدمان على المشاهدة المتواصلة.

2. قربه من اهتمامات الشباب

  • محتوى ألعاب (فيفا، فورتنايت، إلخ)
  • كرة القدم، خصوصًا هوسه العلني بكريستيانو رونالدو، حتى صارت هذه «ميم» عالمية مرتبطة باسمه

3. خوارزميات المنصات تدفعه للأمام

المقاطع الانفعالية والفضائحية تنتشر أكثر، وخوارزميات يوتيوب وتيك توك تميل إلى دفع هذا النوع من المحتوى؛ لأنه يحقق مشاهدات ووقت مشاهدة أطول، فيظهر سبيد تلقائيًّا أمام أعين شباب لم يبحثوا عنه أصلًا.

4. تحوّله إلى «رمز ثقافي»

لم يعد مجرّد ستريمر؛ بل يُقدَّم أحيانًا كـ«سفير ثقافي» غير رسمي، يزور بلدانًا حول العالم، وينقل أجواءها لجمهوره العالمي. حين يزور بلدًا معيّنًا، يشعر الشباب هناك أن «العالم كلّه ينظر إلينا الآن من خلال سبيد»، فيتضاعف التعلّق به.


ثالثًا: طبيعة محتوى سبيد والإشكالات الشرعية والأخلاقية

لفهم سبب تحذير الدعاة منه، لا بد من رؤية نماذج من سلوكه ومحتواه:

1. إساءة للنساء وخطاب متكرر بالتحقير

تم حظره من كل ألعاب شركة Riot (مثل Valorant) بعد انتشار فيديو له وهو يصرخ على لاعبة في فريقه، يسبّها بألفاظ بذيئة، ويقول لها: «اخرجي من اللعبة واذهبي لتغسلي صحون زوجك»، مع تكرار أوصاف مهينة. سبقت ذلك حوادث أخرى تهديدات ذات طابع جنسي في بث مباشر، وتلميحات عنف جنسي في بعض الأغاني والمقاطع.

⚠️ ملاحظة: هذا النمط يرسخ عند الشباب صورة «الرجولة السامة»: إهانة النساء، ربط الرجولة بالعدوانية، والتبجح بالانحراف.

2. فحش الألفاظ والمحتوى الجنسي

سلوكه مليء بالسبّ، والشتائم، والإيحاءات الجنسية، حتى مع أطفال أثناء اللعب أحيانًا. وقع في بث مباشر شهير في كشف عورته أمام الآلاف من المشاهدين أثناء حركة ساخرة.

3. تطبيع التهريج المؤذي

مقالب عنيفة، صراخ في الناس، إزعاج للجمهور، ألفاظ مهينة في الشارع وعلى البث. هذا يشجع جزءًا من الشباب على تقليد هذه السلوكيات في الواقع، بحجة «المحتوى» و«الترند».

4. جمهوره الأساسي: القُصّر والمراهقون

مقالات نقدية غربية تذكر أن جزءًا كبيرًا من متابعي أمثال سبيد من الأطفال والمراهقين، وأن سلوكه ملىء بالعدوانية، والتحقير، والفحش. هذا البعد هو الأخطر شرعًا وتربويًّا؛ لأن القدوة السيئة في هذه المرحلة الحساسة تُفسِد الذوق والأخلاق قبل أن يملك الشاب أدوات التمييز.


رابعًا: لماذا يحذّر الدعاة المسلمون من سبيد؟

تحذير الدعاة ليس لأن سبيد «أجنبي» أو «غير مسلم» فقط، بل للأسباب الآتية:

1. هو قدوة فعلية لملايين الشباب

التأثير الحقيقي اليوم ليس بالكتاب والخطبة فقط، بل بمن يقضي الشباب معه ساعات يوميًا عبر الشاشة. حين يمتلئ هذا الوقت بالسباب، والاستخفاف بالنساء، والمزاح الجارح، والإيحاءات الجنسية، فهذا تدمير بطيء للحياء والإيمان.

2. تطبيع المعاصي في صورة الترفيه

  • العلاقات المحرّمة
  • السخرية من الناس
  • كشف العورات
  • إهانة الآخرين

كلها تُقدَّم على أنها «ضحك وترفيه». أخطر ما في الأمر: أن كثيرًا من الشباب حين يُنصح يبرّر: «هو مسلم ويفعل كذا»، أو «كل المؤثرين هكذا»، فيزول استقذاره للمعصية.

3. خلط الحق بالباطل بعد اقترابه من الإسلام

بعد ظهور مقاطع له وهو يسمع القرآن، ويصوم رمضان، ويمتنع عن أكل الخنزير، ويتكلم عن الإسلام؛ صار الخطر أكبر:

  • هناك دعاة نبهوا إلى أن الشيطان قد يستغل «شهرة مسلم جديد» ليُزيِّن للناس المعاصي بحجة أنه «مسلم ويفعلها».
  • يُحذِّر بعضهم من جعل شخص مثل سبيد مرجعًا ضمنيًّا للحلال والحرام.

4. ضياع الوقت والعمر فيما لا ينفع

مشاهدة ساعات طويلة من المقاطع اليومية، بلا فائدة حقيقية، تسرق من الشاب: وقته للعلم، والقرآن، والعبادة، والعمل، والمهارات. هذه مفسدة شرعية وعقلية حتى لو خلا المحتوى من الحرام الصريح.

5. صناعة هوس بالمشاهير بدل تعظيم العلماء والصالحين

المشهد الذي رأيناه في الجزائر، ومصر، وغيرها من تدافع الشباب، والصراخ، والتسابق لِلَمس شخص، وكأنه نجم مقدَّس، مقابل إهمال العلماء وطلاب العلم؛ هذا يقلب الميزان الإسلامي في القدوة والاحترام.


خامسًا: هل أسلم سبيد بالفعل؟

1. ماذا حدث فعليًّا؟

هناك عدة مقاطع (2022 وما بعدها) يظهر فيها وهو يُلقَّن الشهادة (أشهد أن لا إله إلا الله…)، أحيانًا على يد مهاجرين أو دعاة على البث، مع تصريحه في بعض المقاطع بأنه صار مسلمًا.

ظهرت علامات متكررة على اقترابه من الإسلام، مثل:

  • التأثر بسماع القرآن، وتصريحه بأنه يشعر بقوة عجيبة في تلاوته
  • إعلانه على البث أنه صائم في رمضان
  • امتناعه عن أكل لحم الخنزير في أحد المقاطع قائلاً: «حرام حرام»
  • ظهوره في مسجد في أبوظبي، وصلاته هناك في إحدى الرحلات
  • في مقاطع أحدث، قال صراحةً: «أنا مسلم»

من حيث الظاهر الشرعي: من نطق بالشهادة مختارًا، وأظهر التزامًا إجماليًّا بالإسلام، يُحكَم له بالإسلام، وتُترك سريرته إلى الله.

2. لكن… هل هو ملتزِم ومستقيم؟

هنا يجب التفريق بين:

  • الحكم على أصل الإسلام: وهذا يُبنى على الشهادة الظاهرة.
  • الحكم على الاستقامة والصلاح والقدوة: وهذا شيء آخر تمامًا.

من الواضح أن سلوك سبيد – حتى بعد إسلامه المعلن – ما زال مليئًا بالمخالفات الكبيرة:

  • فحش اللسان
  • الموسيقى
  • تعظيم الكرة واللاعبين إلى حدّ يشبه «العبادة العاطفية»
  • مواقف لا تليق بمسلم يعرف حدود دينه

شرعًا: لا يُنصَّب مثل هذا الشخص «قدوة دينية»، ولا يُتلقَّى منه دين، ولا يُتَّخذ حالُه معيارًا للأحكام الشرعية. الواجب: أن يُدعى إلى التوبة، والتعلم، وضبط سلوكه، مع ترك أمر باطنه لله، وألّا يغتر الشباب باسم «مسلم» فيُسقِط عن نفسه الحياء والورع بحجة «هو مسلم ويفعل كذا».


سادسًا: ما أثره السيّئ على الشباب؟

1. إفساد الذوق والحياء

التعرّض المتكرر للألفاظ البذيئة، والسلوك الإباحي، والسخرية من الناس؛ يميت في القلب كراهية الفحش. الشرع جعل الحياء شعبة من الإيمان، وهذا المحتوى يهدم هذه الشعبة بالتدريج.

2. تطبيع التحقير والعنف اللفظي

حين يضحك الشاب على سبيد وهو يسبّ امرأة، أو يهين طفلًا، أو يستهزئ بشخص؛ يتعلم ضمنًا أن هذا سلوك «طبيعي» و«مضحك»، فيمارسه مع زملائه وأهله.

3. ضرب صورة الرجولة السوية

الرجولة في الإسلام: حِلم، قوة منضبطة، غيرة على الحرمات، احترام للنساء، ووقار.

الرجولة في نموذج سبيد: صراخ، هيستيريا، عنف لفظي، تهور، تعلّق مرضي بكرة القدم والشهرة.

حين يقتدي الشباب بهذا، يبتعدون عن النموذج النبوي دون أن يشعروا.

4. إضاعة الأوقات والعمر

متابعة بث مباشر لساعات كل يوم، مع مقاطع قصيرة متواصلة، تدمّر قدرة الشاب على التركيز، وتسرق وقت الصلاة، والقراءة، والعمل، والبر بالوالدين، ونفع الأمة.

5. تشويش في فهم الدين بعد إعلان إسلامه

  • بعض الشباب يُسقِط ضوابط الشرع على سلوكه بالقياس على سبيد: «يصلي أحيانًا، ويسمع قرآن، لكنه يسمع موسيقى، ويصنع محتوى فاحشًا… إذًا لا بأس أن نفعل مثله».
  • دعاة نبهوا إلى أن هذا من تلبيس الشيطان: يستغل شهرة مسلم جديد لخلط الحق بالباطل في أعين الناس.

6. تغذية عقدة الدونية أمام «المؤثر الغبري»

الانبهار المبالغ فيه بشاب أمريكي، مع الركض وراءه في الشوارع، والصراخ والبكاء لمجرد التصوير معه؛ يعمّق في نفس بعض الشباب قصة: «القيمة تأتي من رضا المشاهير الغربيين عنا»، بدل أن تكون القيمة من رضا الله ورسوله.


سابعًا: ما أثر زيارته لبلاد عربية وإسلامية؟

1. أين زار؟

خلال العامين الأخيرين، زار سبيد عدة دول ذات غالبية مسلمة، من بينها:

  • الإمارات (أبوظبي وغيرها)، حيث زار مسجدًا، واستمع للقرآن هناك
  • مصر، وزار الأهرامات، وبثّ من القاهرة، ثم حذف بثّ القاهرة لاحقًا
  • الجزائر، ضمن جولة إفريقية مرتبطة بكأس أمم إفريقيا 2025
  • المغرب، لحضور نهائي كأس إفريقيا 2025

2. الآثار الإيجابية المحتملة

• إيصال مشاهد عن الإسلام لجمهوره غير المسلم

حين يظهر وهو يسمع القرآن متأثرًا، أو يغطي صلاة في مسجد، أو يسمع الأذان؛ هذه لقطات يشاهدها عشرات الملايين، وقد تكون سببًا في إثارة تساؤلات إيجابية عن الإسلام لدى بعضهم.

• إبراز جمال بعض العادات العربية والإسلامية

زياراته للأسواق، والمطاعم، والأماكن التاريخية، ومخالطته للناس في الشارع، تُظهِر جانبًا من كرم الشعوب المسلمة وحفاوتها بالضيف.

• فتح باب دعوة لو استُغِلّ بشكل سليم

في بعض المقاطع ظهر وهو يسأل عن الإسلام، أو يطلب من أحد الدعاة أن يشرح له، لكن تم إبعاده من قِبَل المنظمين أو الأمن.

3. الآثار السلبية الواضحة

• مشاهد التزاحم والهوس المَرَضي

في الجزائر وغيرها، احتشدت جموع هائلة من الشباب حوله في الشوارع والملاعب، وصار بعضهم يركض خلف سيارته، ويحاول لمسه أو التقاط صورة معه، بصورة مهينة للكرامة، ومؤذية أمنيًّا.

• فوضى أمنية وصورة سلبية عن الشعوب

رُشِق بالحجارة والقناني في أحد الملاعب بالجزائر، واضطر لقطع بثه. بعض التحليلات العربية وصفت ما حصل بـ«فضيحة عالمية» وسلوك همجي يسيء لصورة شمال إفريقيا كلها.

• تعميق ثقافة الاستهلاك والاستعراض

السلطات والهيئات السياحية في بعض الدول بدأت تتعامل مع سبيد كمجرد أداة ترويج سياحي، بدل استثمار الفرصة في الدعوة والتوعية.

• تضييع فرص دعوية حقيقية

في مصر مثلاً، ذُكِر أنه حين حاول أحد الدعاة التحدث معه عن الإسلام، تم سحبه وإبعاده؛ لأن المنظمين لم يرغبوا في أن يتحول اللقاء إلى «حديث عن الدين».

• التعلق المَرَضي بـ«إسلام المشاهير»

مقالات عربية انتقدت بشدة ظاهرة الاحتفاء المبالغ فيه باحتمال إسلامه، وكأن دين الله ينتظر «لايك» أو «شهادة» من يوتيوبر غربي.


ثامنًا: كيف ينبغي أن يتعامل الشاب المسلم مع هذه الظاهرة؟

1. على مستوى الفرد (الشاب نفسه)

إن كان المحتوى يشتمل على:

  • سبّ
  • فحش
  • كشف عورات
  • موسيقى ومظاهر تبرج
  • سخرية من الناس

فالأصل الشرعي الواضح: تركه، وعدم متابعته؛ لأن «من حبّ شيئًا أكثر من ذكره»، والقلب يتأثر شيئًا فشيئًا.

  • لا تجعل من سبيد أو غيره من المؤثرين «قدوة». خُذ العبرة من أي موقف طيب – كاحترامه للقرآن أو تركه للخنزير – لكن لا تُسقِط عنه وصف العصيان والمعصية.
  • اسأل نفسك: كم ساعة تقضيها مع هذا المحتوى، وكم ساعة تقضيها مع القرآن، أو طلب العلم، أو تطوير مهارة؟ ميزانك العملي يجيبك عن حالة قلبك.

2. على مستوى الوالدين والمربين

منعٌ كامل بلا حوار قد يدفع الشاب للمتابعة سرًّا. لكن المطلوب:

  • شرح لماذا هذا المحتوى مضر: الفحش، تحقير النساء، ضياع الأوقات، تكريس نموذج رجولة خاطئ
  • تقديم بدائل نافعة ممتعة: قنوات ألعاب نظيفة، محتوى علمي ممتع، صناع محتوى مسلمين مستقيمين
  • التوعية المستمرة حول خطورة الانبهار بالمشاهير

3. على مستوى الدعاة والمؤسسات

استثمار مثل هذه الظواهر بذكاء:

  • إن جاء مثل سبيد إلى بلاد المسلمين، فلْيُرتَّب له لقاء مع دعاة متقنين للغة، وعلماء رصينين
  • تقديم الإسلام له كمنهج حياة كامل، لا كلقطة سريعة على البث
  • عدم تضخيم الإسلام الجديد كأنه «فتح عظيم»؛ الإسلام عزيز بالله
  • توعية الشباب بأن المرجع في الدين هم العلماء الربانيون، لا المشاهير الجدد

خلاصة مركّزة

  1. سبيد شاب أمريكي مؤثِّر جدًّا عالميًّا، بفضل خوارزميات المنصات، وبسبب أسلوبه الانفعالي ومحتواه المرتبط بالألعاب والكرة.
  2. محتواه يحمل مخالفات شرعية وأخلاقية كبيرة: فحش، إيحاءات جنسية، تحقير للنساء، مقالب مؤذية، كشف للعورات، وتأثيره مركز على المراهقين.
  3. هذا ما جعل كثيرًا من الدعاة والمربين يحذّرون من متابعته؛ لأنه يصنع قدوة فاسدة، ويطبع المعصية في صورة ترفيه.
  4. من حيث الظاهر، سبيد أعلن الشهادة أكثر من مرة، فنرجو له الهداية والثبات، لكن لا يجوز اعتباره قدوة دينية أو مرجعًا شرعيًّا.
  5. زياراته للبلاد العربية والإسلامية كشفت حجم الهوس بالمشاهير، وأنتجت صورًا سلبية من التزاحم والفوضى.
  6. التعامل الراشد ليس في «عبادته» أو «شيطنته»؛ بل في وعي الشباب بخطورة جعله قدوة، ووعي الدعاة بالتخطيط الذكي لاستثمار مثل هذه الحالات في الدعوة.

تاريخ النشر: يناير 2026

 

Visited 19 times, 1 visit(s) today
Scroll to Top