الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان
المولد والبيئة الأولى: نشأة في “جوهرة التاج”
ولد الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في الثاني عشر من رجب عام 1361هـ (الموافق 1942م) في جزيرة زنجبار. كانت زنجبار في ذلك الوقت جوهرة التاج العماني في شرق أفريقيا، ومركزاً حضارياً وتجارياً يعج بالعلماء والأدباء والتجار. لم تكن مجرد مهجر، بل كانت امتداداً ثقافياً وسياسياً لعُمان، تميزت بالتنوع العرقي والثقافي والانفتاح على العالم، وهو ما طبع شخصية الخليلي بوعي مبكر يتجاوز حدود القبلية الضيقة التي كانت سائدة في الداخل العماني آنذاك.
ينحدر الخليلي من سلالة علمية عريقة من ولاية “بهلاء” بالمنطقة الداخلية في عُمان، وهي مدينة تشتهر تاريخياً بكونها معقلاً للعلماء والفقهاء والسحرة أيضاً في المخيال الشعبي، لكنها بالنسبة للخليلي كانت منبت الأصول. والده كان رجلاً صالحاً يمارس التجارة، وجده كان قاضياً معروفاً بصرامته وعدله، وينتهي نسبه إلى الإمام الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل، مما يمنحه “رأسمال رمزي” كبير داخل المذهب الإباضي.
المسار التعليمي: العصامية المنهجية
خلافاً للكثير من علماء عصره الذين التحقوا بالجامعات الإسلامية النظامية (كالأزهر أو الزيتونة)، كان تكوين الخليلي “مسجدياً” و”كتاتبياً” بامتياز، وهو ما حافظ على نقاء تلقيه للمذهب الإباضي دون اختلاط بمناهج أخرى في مراحل التكوين الأولى.
- القرآن الكريم: أتم حفظ القرآن في سن مبكرة، وهو الأساس الذي بنى عليه ملكته اللغوية والفقهية.
- المتون العلمية: انكب على دراسة أمهات الكتب في المذهب الإباضي واللغة العربية.
- العمل والتجارة: عمل مع والده في التجارة في زنجبار حتى سن الثانية والعشرين. هذه التجربة أكسبته مهارات في فهم الواقع الاجتماعي والاقتصادي، والقدرة على الإدارة، والاطلاع على ثقافات الشعوب المختلفة.
الشيوخ والمؤثرون في تكوينه
تتلمذ الخليلي على يد نخبة من علماء زنجبار وعُمان، ومن أبرزهم الشيخ حامد بن الأمين والشيخ أحمد بن زهران الريامي. وتأثر بشكل خاص بالعلامة أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش، الذي كان حلقة وصل حيوية بين إباضية المشرق والمغرب، وتأثر الخليلي بفكره الحركي وضرورة دور العالم في الشأن العام والسياسة، وتعزيز الروابط المذهبية عالمياً.
صدمة الانقلاب والعودة (1964)
شكلت ثورة زنجبار في يناير 1964 نقطة مفصلية؛ حيث شهدت الجزيرة مذابح مروعة استهدفت العرب العمانيين. عاد الشاب أحمد الخليلي مع أسرته إلى عُمان (ولاية بهلاء) وهو يحمل مرارة فقدان “الفردوس المفقود”. هذه التجربة رسخت لديه قناعة بأن “الدين لا يحميه إلا دولة قوية”، وهو هاجس ظهر لاحقاً في دعمه لمشروع الدولة والوجود الإباضي.
الصعود في سلم المؤسسة الدينية
بعد عودته، بدأ الخليلي التدريس في مسجد الخور بمسقط، ثم في جامع روي. سرعان ما تدرج من مدرس للعلوم الشرعية إلى مدير في وزارة الأوقاف، حتى تم تعيينه بمرسوم سلطاني مفتياً عاماً للسلطنة عام 1975 خلفاً للشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، ليصبح أعلى سلطة دينية في سن 33 عاماً.
العقيدة الإباضية في فكر الخليلي: التجديد والجمود
الشيخ أحمد الخليلي ليس مجرد ناقل للمذهب، بل هو “مجدد” و”منظر” أعاد صياغة العقيدة الإباضية لتقديمها للعالم في ثوب عقلي/فلسفي، محاولاً نفي نسبة “الخوارج” عنها، ومهاجماً المدرسة السلفية بشراسة.
جدلية “الخوارج”: هل الخليلي خارجي؟
يرفض الخليلي تصنيف الإباضية كخوارج، ويعتبره تشويهاً سياسياً تاريخياً. يجادل بأن الإباضية هم “أهل الحق والاستقامة”، ويختلفون عن الغلاة في تحريم دماء المسلمين وجواز المناكحة والموارثة. ويرى الباحثون أنه يمثل “القناع الإعلامي الهادئ” للفكر الخارجي.
معركة “خلق القرآن”
يتبنى الخليلي عقيدة خلق القرآن بصرامة؛ حيث يرى أن القول بإنه غير مخلوق يستلزم “تعدد القدماء”، وهو شرك عنده. ألف كتباً وشارك في مناظرات لإثبات أن القرآن مخلوق.
نفي رؤية الله (الرؤية البصرية)
ينفي الخليلي إمكانية رؤية الله بالأبصار في الدنيا والآخرة نفياً قاطعاً، مستنداً إلى أن الرؤية تقتضي التحيز والجهة. وفي كتابه الشهير “الحق الدامغ”، شن هجوماً كاسحاً على القائلين بالرؤية، واصفاً عقيدتهم بالوثنية المقنعة.
عقيدة “الخلود في النار” لعصاة الموحدين
يؤمن بـ “إنفاذ الوعيد”؛ فمن مات مصراً على كبيرة ولم يتب توبة نصوحاً فهو مخلد في نار جهنم أبداً. يرفض عقيدة أهل السنة في خروج العصاة من النار، واصفاً إياها بعقيدة “الإرجاء” التي تجرئ الناس على المعاصي.
الموقف من الصحابة والفتنة الكبرى: بين “الولاية” و”البراءة”
يطبق الخليلي مبدأ “الولاية والبراءة” بصرامة على جيل الصحابة، معتبراً قراءة التاريخ جزءاً من العقيدة.
الموقف من عثمان بن عفان (رضي الله عنه)
يتبنى الموقف الإباضي التقليدي بإدانة عثمان في النصف الثاني من خلافته، متهمه بالمحسوبية وتبذير المال العام. يعتبر الثورة عليه مشروعة، ويرى أن حكم “البراءة” يلحقه لعدم ثبوت توبته عندهم.
الموقف من علي بن أبي طالب ومعاوية
علي بن أبي طالب: يتولاه في البداية، ثم يعلن البراءة منه بعد قبوله التحكيم، معتبراً أنه “شك في دينه” بتفويض الرجال في حكم الله.
معاوية بن أبي سفيان: يشن عليه هجوماً لا هوادة فيه، واصفاً إياه بمغتصب السلطة ومحول الدين إلى ملك عضوض.
هل يكفر الصحابة؟
الخليلي لا يكفر الصحابة كفر ملة، بل يحكم عليهم بـ كفر النعمة (وهو تعبير إباضي عن النفاق) ووجوب البراءة منهم، مما يعني عدم الترحم عليهم، واعتقاد أنهم ماتوا على معصية توجب الخلود في النار.
الهندسة الاجتماعية: “تغيير دين العمانيين” ومشروع الصحوة
عمل الخليلي على نقل المجتمع من التدين التقليدي العامي، والانتشار الشافعي إلى “الاستنفار العقدي الإباضي” عبر إحياء النصوص القديمة ومحاربة العادات المبتدعة وأسلمة المظهر العام.
السيطرة على التعليم ووزارة الأوقاف
هذه هي خطة الخليلي الصامتة؛ حيث أثر بعمق على مناهج التربية الإسلامية لتُعرض العقيدة الإباضية كـ “الإسلام الصحيح”، مع تعمين الوظائف التدريسية وفق فكره. كما تحولت وزارة الأوقاف إلى ذراع تنفيذي لمكتب الإفتاء للسيطرة على الخطاب الديني في المساجد.
فتاوى اجتماعية متشددة
يفتي بأن التدخين كبيرة مخلدة في النار، وكذلك مشاهدة المسلسلات المتبرجة وسماع الأغاني. كما يحرم الاختلاط في الجامعات والعمل ويضغط لفصل الجنسين.
استراتيجية التوسع: العلاقات الدولية والإخوان المسلمون
التحالف الاستراتيجي مع الإخوان المسلمين
وجد في الإخوان “الشريك المثالي” لمواجهة الوهابية والسعي لإقامة الدولة الإسلامية. يشغل منصب نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مما منحه شرعية سنية واسعة. أيد ثورات الربيع العربي، وتصنفه مراكز أبحاث كجزء من الشبكة العالمية للإخوان.
فلسطين و”طوفان الأقصى”: ذروة الشعبية
منذ 7 أكتوبر 2023، تحول حسابه على “إكس” إلى ناطق ديني للمقاومة، مباركاً العمليات وداعياً للجهاد، مما بنى له زعامة روحية عابرة للمذاهب وامتص غضب الشارع العماني.
التقية، الكتمان، والعلاقة مع السلفية
يتهم خصومه بممارسة “تقية إعلامية”؛ حيث يتحدث عن الوحدة في المؤتمرات، بينما كتبه تخلد المخالفين في النار وتصف عقائدهم بالوثنية.
الحكم عليه من قبل السلفية؟
أصدرت اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز فتاوى تصف الإباضية بـ “الفرقة الضالة” وتمنع الصلاة خلفهم. كما رفض ابن باز مناظرته تجنباً لإعطائه منصة لنشر “بدعته”.
الانتقادات الموجهة للخليلي
تتلخص في الازدواجية بين خطاب الوحدة وكتب التكفير، التشدد المفرط في السلوك اليومي، إحياء الفتنة التاريخية بلغة البراءة، والتوظيف السياسي للدين لخدمة أجندات إقليمية.
الإنتاج العلمي والمدرسة الخليلية
أهم مؤلفاته: “الحق الدامغ”، “جواهر التفسير”، “الاستبداد مظاهره ومواجهته”، و”سقط القناع”.
التلاميذ (المدرسة الخليلية): نجح في تخريج جيل يدير مفاصل المؤسسة الدينية، أبرزهم الشيخ كهلان الخروصي، أفلح الخليلي، سعيد القنوبي، وعبد الله المعمري.




