مسعود بارزاني
الولادة في ظلال الجمهورية والشتات المبكر
لم تكن ولادة مسعود بارزاني في 16 أغسطس 1946 حدثاً عابراً، بل تزامنت رمزياً مع تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) وولادة “جمهورية مهاباد” الكردية في إيران، التي كان والده قائداً لجيشها. هذا التزامن ربط مصيره منذ اللحظة الأولى بالقضية القومية. ومع انهيار الجمهورية بعد أقل من عام، بدأت رحلة الشتات؛ حيث لجأ والده إلى الاتحاد السوفيتي في مسيرة شاقة، بينما أُعيد مسعود الرضيع وعائلته قسراً إلى العراق ليوضعوا تحت الإقامة الجبرية في جنوب البلاد ثم في بغداد والموصل.
تشير المصادر التاريخية إلى أن مسعود عاش طفولة قاسية تميزت بغياب الأب لمدة 12 عاماً كاملة، حيث لم يلتقِ بوالده إلا بعد عودة الملا مصطفى من المنفى السوفيتي عقب ثورة 14 تموز 1958 في العراق. هذا الغياب الطويل، مقترناً بحياة المراقبة الأمنية المستمرة من قبل السلطات الملكية ثم الجمهورية، غرس في شخصية بارزاني نزعة الحذر الشديد والاعتماد على الذات، وشكل لديه قناعة مبكرة بأن “الأمن” هو الأولوية القصوى للبقاء.
التخلي عن الدراسة وتأسيس “الباراستن”
تخلى بارزاني عن تعليمه النظامي مبكراً ليلتحق بصفوف قوات البيشمركة عام 1962 وهو في السادسة عشرة من عمره، مشاركاً في ثورة أيلول. ورغم انخراطه في العمل العسكري، إلا أن إسهامه الأبرز والأخطر كان في الجانب الأمني والاستخباراتي.
في عام 1966، وبعد الانشقاقات العاصفة التي ضربت الحزب (جناح المكتب السياسي بقيادة إبراهيم أحمد وجلال طالباني)، أوكل الملا مصطفى إلى ابنه مسعود وشقيقه إدريس مهمة تأسيس جهاز مخابرات خاص بالحزب عُرف بـ “الباراستن” (Parastin). تأسس هذا الجهاز بدعم لوجستي وتدريبي إقليمي، وكان هدفه حماية القيادة البارزانية من الاختراق الداخلي والاغتيالات. يُعد تأسيس “الباراستن” نقطة التحول الرئيسية التي مكنت مسعود بارزاني من إحكام قبضته على مفاصل الحزب، حيث تحول الجهاز بمرور العقود إلى القوة الضاربة التي تضمن الولاء وتصفي الخصوم، مما مهد له الطريق لوراثة الزعامة لاحقاً.
الصعود السياسي ومحاولة الاغتيال
تدرج مسعود بسرعة في المناصب القيادية؛ فانتخب عضواً في اللجنة المركزية عام 1970، ولعب دوراً في مفاوضات الحكم الذاتي مع نظام البعث. بعد نكسة 1975 وانهيار الثورة الكردية إثر اتفاقية الجزائر، ولجوء القيادة إلى الخارج، تولى مسعود (مع شقيقه إدريس) مهمة إعادة تنظيم صفوف الحزب المشتتة، مؤسساً “القيادة المؤقتة” التي أطلقت “ثورة كولان” عام 1976.
توج هذا الصعود بتوليه رئاسة الحزب رسمياً في المؤتمر التاسع عام 1979 بعد وفاة والده في واشنطن. وفي العام نفسه، نجا مسعود من محاولة اغتيال في العاصمة النمساوية فيينا، حيث تعرض موكبه لإطلاق نار أدى لإصابة مرافقيه. عززت هذه الحادثة من هوسه الأمني وقناعته بضرورة التحصن خلف دائرة ضيقة من الموالين وأفراد العائلة.
حقبة الدم والبراغماتية: الحرب الأهلية والتحالفات المتناقضة (1991 – 1998)
انتفاضة 1991 وتجربة الحكم الثنائي الهش
عقب حرب الخليج الثانية، قاد بارزاني “الجبهة الكردستانية” التي ضمت مختلف الفصائل لإطلاق انتفاضة مارس 1991، والتي أسفرت عن طرد الإدارة الحكومية العراقية من الإقليم. في خطوة وُصفت بالذكية حينها، دعا بارزاني لإجراء انتخابات برلمانية عام 1992 لشرعنة السلطة الثورية. أسفرت الانتخابات عن تقاسم السلطة بنسبة “50-50” مع غريمه التقليدي جلال طالباني (الاتحاد الوطني الكردستاني PUK)، وهو نظام محاصصة أدى إلى شلل إداري وصراع مستميت على الموارد، خاصة عائدات معبر “إبراهيم الخليل” الحدودي مع تركيا الذي كان يسيطر عليه حزب بارزاني ويدر ملايين الدولارات يومياً.
الحرب الأهلية (شيري براكوژي): الكارثة القومية
اندلعت الحرب الأهلية الطاحنة (1994-1998) بين الحزبين، مخلفة آلاف القتلى ودماراً واسعاً. شكلت هذه الحرب الاختبار الأخلاقي والسياسي الأقسى لبارزاني، حيث كشفت عن استعداده للذهاب إلى أقصى الحدود للحفاظ على سلطته.
حدث 31 آب 1996: التحالف مع “الجلاد”
في صيف 1996، وبدعم عسكري إيراني، تمكنت قوات جلال طالباني من دحر قوات بارزاني والاقتراب من السيطرة على العاصمة أربيل. في تلك اللحظة الوجودية، اتخذ مسعود بارزاني القرار الأكثر إثارة للجدل في تاريخه: طلب النجدة العسكرية من الرئيس العراقي صدام حسين، الذي كان قد ارتكب جرائم الإبادة الجماعية (الأنفال) ضد الكرد قبل سنوات قليلة. استجابت بغداد بإرسال الحرس الجمهوري في 31 أغسطس 1996، حيث دخلت الدبابات العراقية أربيل، وقصفت مواقع الاتحاد الوطني، ولاحقت المعارضين العراقيين الهاربين في المدينة، وسلمت مفاتيح السلطة لحزب بارزاني. يبرر أنصار بارزاني هذه الخطوة بأنها كانت “خيار الضرورة” لمنع السيطرة الإيرانية عبر طالباني، بينما يعتبرها خصومه “خيانة عظمى” وتحالفاً مع قاتل الشعب الكردي.
اتفاقية واشنطن وتكريس الأمر الواقع
انتهت الحرب رسمياً بتوقيع “اتفاقية واشنطن” عام 1998 برعاية وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت. نص الاتفاق على وقف القتال وتقاسم العائدات، لكنه كرس فعلياً انقسام الإقليم إلى إدارتين: إدارة “صفراء” في أربيل ودهوك بقيادة بارزاني، وإدارة “خضراء” في السليمانية بقيادة طالباني. هذا الانقسام الجغرافي والسياسي لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على الإقليم حتى اليوم.
مهندس الدولة الفيدرالية: الدور الدستوري والازدهار الاقتصادي (2003 – 2013)
الانتقال من الميليشيا إلى الدولة
بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، أظهر بارزاني حنكة سياسية عالية. كعضو ورئيس دوري لمجلس الحكم العراقي، قاد الفريق الكردي المفاوض بصرامة. رفض بارزاني التوقيع على الدستور العراقي لعام 2005 ما لم يتضمن بوضوح النظام الفيدرالي، والاعتراف بقوات البيشمركة كقوة حماية للإقليم، وتثبيت المادة 140 لحل قضية المناطق المتنازع عليها (كركوك). يُجمع المحللون الدستوريون على أن بارزاني نجح في انتزاع صلاحيات للإقليم تفوق ما تتمتع به الولايات في الأنظمة الفيدرالية التقليدية، بما في ذلك حق إدارة الموارد النفطية الحالية والمستقبلية، وهو ما أسس لاحقاً للاستقلال الاقتصادي.
رئاسة الإقليم والطفرة الاقتصادية (2006-2013)
انتُخب بارزاني كأول رئيس لإقليم كردستان من قبل البرلمان عام 2005، ثم عبر الاقتراع المباشر عام 2009 بنسبة قاربت 70%. تميزت هذه الفترة باستقرار أمني واقتصادي استثنائي مقارنة بباقي العراق.
قانون الاستثمار والسياسة النفطية المستقلة: أصدر بارزاني قانون الاستثمار رقم 4 لعام 2006، الذي قدم حوافز ضريبية سخية وحق التملك الكامل للأجانب. أدى هذا القانون إلى تدفق مليارات الدولارات محولاً أربيل إلى ورشة عمل كبرى.
في خطوة استراتيجية جريئة، وجه بارزاني حكومته لتوقيع عقود نفطية مباشرة مع شركات الطاقة الكبرى (ExxonMobil, Chevron, Total) متجاوزاً بغداد. توقيع العقد مع إكسون موبيل عام 2011 كان بمثابة “بوليصة تأمين سياسية”. تُوجت هذه السياسة بمد خط أنابيب مستقل لتصدير النفط إلى تركيا عام 2013، مما منح الإقليم استقلالاً مالياً فعلياً عن بغداد لعدة سنوات.
الحرب الوجودية: داعش، سنجار، وملف الإبادة (2014 – 2017)
القائد الميداني والدفاع عن أربيل
مع اجتياح تنظيم داعش للموصل في يونيو 2014، وتهديده لأربيل، ارتدى بارزاني الزي العسكري (الجامانة والكاكي) وتواجد في الجبهات لأشهر، مشرفاً شخصياً على العمليات العسكرية. نجحت البيشمركة، بغطاء جوي من التحالف الدولي، في كسر شوكة التنظيم واستعادة مساحات واسعة، بما في ذلك السيطرة الكاملة على كركوك وحقولها النفطية، وهو ما اعتبره بارزاني تصحيحاً لخطأ تاريخي وتطبيقاً للمادة 140 بالأمر الواقع.
كارثة سنجار: الجرح المفتوح
تظل مأساة سنجار (أغسطس 2014) النقطة الأكثر ظلاماً وإثارة للجدل في هذه المرحلة. انسحبت قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بشكل مفاجئ أمام تقدم داعش، تاركة الآلاف من الإيزيديين عزلاً يواجهون الإبادة والسبي.
أقر بارزاني بحدوث “إهمال” وتعهد بمحاسبة القادة الميدانيين، وقاد شخصياً عملية تحرير سنجار في نوفمبر 2015 كعملية رد اعتبار.
تتهم منظمات إيزيدية ودعاوى قضائية في الولايات المتحدة قوات بارزاني بسحب أسلحة الإيزيديين قبل الانسحاب، مما يضع علامات استفهام حول ما إذا كان الانسحاب تكتيكاً سياسياً كارثياً أم فشلاً عسكرياً ذريعاً. هذه الاتهامات تظل وصمة تلاحق إرث بارزاني العسكري.
استفتاء الاستقلال 2017: الرهان الخاسر والسقوط المدوي
في 25 سبتمبر 2017، ورغم التحذيرات الدولية والإقليمية المتصاعدة، أصر بارزاني على إجراء استفتاء استقلال إقليم كردستان، شاملاً كركوك والمناطق المتنازع عليها.
سوء التقدير الاستراتيجي
اعتقد بارزاني أن رصيد الكرد في الحرب ضد داعش، وضعف الحكومة المركزية، والصمت الأمريكي، يوفر فرصة تاريخية لا تعوض لإعلان الدولة. صوت 92.73% بنعم للاستقلال، في لحظة نشوة قومية عارمة.
الانهيار في 16 أكتوبر
جاء الرد سريعاً وقاسياً. شكلت إيران وتركيا والعراق حلفاً غير معلن لخنق الإقليم. في 16 أكتوبر 2017، شنت القوات العراقية والحشد الشعبي هجوماً لاستعادة كركوك. ونتيجة لصفقة سرية بين جناح في الاتحاد الوطني الكردستاني وبغداد انسحبت قوات البيشمركة التابعة للسليمانية من مواقعها، مما أدى لانهيار الجبهة وخسارة كركوك. عاد الإقليم إلى حدود ما قبل 2003، محاصراً ومفلسًا.
الاستقالة والبقاء في الظل
تحت وطأة الهزيمة، أعلن بارزاني في 29 أكتوبر 2017 تنحيه عن رئاسة الإقليم، رافضاً تمديد ولايته، لكنه احتفظ برئاسة الحزب الديمقراطي الكردستاني. تحول منذ ذلك الحين إلى “المرجع الأعلى”؛ حيث يدير الأمور من “مقر بارزاني” في مصيف صلاح الدين، تاركاً الواجهة الحكومية لابنه وابن أخيه.
الانتقادات والملفات الشائكة: الوجه الآخر للسلطة
رغم الصورة البطولية التي يرسمها الإعلام الحزبي، يواجه مسعود بارزاني ونظامه انتقادات موثقة وحادة تتعلق بطبيعة الحكم، الفساد، وحقوق الإنسان.
ثروة العائلة واتهامات الفساد
تحول إقليم كردستان تحت حكم بارزاني إلى ما يصفه منتقدون بـ “دولة العائلة” (Kleptocracy). كشفت تحقيقات استقصائية دولية عن شبكة معقدة من الثروات المخفية:
- تحقيقات “Zack Kopplin”: وثقت تقارير امتلاك أفراد من عائلة بارزاني لعقارات فاخرة في دبي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، مخفية خلف شركات وهمية.
- عقارات الولايات المتحدة: كشفت وثائق عن شراء عقارات ضخمة في كاليفورنيا وفيرجينيا (مثل قصر بقيمة 47 مليون دولار في بيفرلي هيلز) ترتبط بأسماء من الدائرة الضيقة للعائلة.
- قضية كورك تيليكوم: أصدرت هيئة تحكيم دولية حكماً ضد شركة “كورك تيليكوم” بدفع تعويضات بقيمة 1.65 مليار دولار لشركات أجنبية نتيجة الاحتيال ومصادرة الاستثمارات.
قمع الحريات: من اغتيال الصحفيين إلى “معتقلي بادينان”
شهد عهد بارزاني تراجعاً خطيراً في الحريات الصحفية:
- اغتيال سردشت عثمان (2010): اختطف الصحفي الشاب وقتل بعد نشره مقالاً ساخراً بعنوان “أنا أعشق بنت مسعود بارزاني”، انتقد فيه الفساد العائلي.
- اعتقال كمال قادر: حُكم عليه بالسجن 30 عاماً بسبب مقالات تنتقد بارزاني وتصف جهاز “الباراستن” بالقمعي.
- معتقلو بادينان: شنت السلطات حملة اعتقالات واسعة ضد نشطاء في دهوك بتهم فضفاضة مثل “تهديد الأمن القومي” في محاكمات وصفتها المنظمات الدولية بالجائرة.
الصراع العائلي على الخلافة
يدير مسعود بارزاني حالياً توازناً دقيقاً وخطراً بين قطبي العائلة:
مسرور بارزاني (الابن الأكبر): رئيس الحكومة الحالي، يسيطر على الأجهزة الأمنية والمخابرات ويمثل الخط المتشدد.
نيجيرفان بارزاني (ابن الأخ وصهر مسعود): رئيس الإقليم، يمثل الجناح الدبلوماسي. يشير المراقبون إلى أن مسعود قام تدريجياً بتقليص صلاحيات نيجيرفان لصالح مسرور، مما يخلق توتراً مكتوماً قد ينفجر مستقبلاً.
الإنتاج الفكري والأيديولوجي
رغم انشغاله بالسياسة، حرص بارزاني على تدوين رؤيته للتاريخ، محاولاً تقديم سردية كردية مضادة للسرديات الرسمية للدول.
مؤلفاته: أصدر سلسلة كتب بعنوان “البارزاني والحركة التحررية الكردية” في عدة مجلدات، وكتاب “للتاريخ” (Bô Mêjû) الذي دافع فيه عن قرار الاستفتاء وحمل الخصوم مسؤولية الفشل.
الأيديولوجيا: يجمع فكر بارزاني بين “القومية الكردية التقليدية” و”القبلية المحافظة”. يرى في العشيرة والدين والولاء للقائد ركائز أساسية للهوية الكردية، ويميل للريبة من الأفكار اليسارية أو الليبرالية الراديكالية.
ميزان القوى والإنجازات




