عبد الرزاق المهدي

 

الشيخ عبد الرزاق المهدي

يُعدّ الشيخ عبد الرزاق المهدي شخصية محورية ومعقدة في المشهد السوري المعاصر، فهو يجمع بين صفات العالم المتعمق في العلوم الشرعية والناشط الثوري والمنشق السياسي. ولد المهدي ونشأ في دمشق، ثم أثبت نفسه كأحد أبرز علماء الحديث والفقه، وانتقل بعد اندلاع الثورة السورية من ميدان العلم إلى ساحة العمل الثوري والجهادي. خلال مسيرته، تولى مناصب شرعية بارزة في فصائل المعارضة المسلحة، قبل أن ينفصل عنها ليصبح صوتًا مؤثرًا للمعارضة الشعبية ضد ممارسات هيئة تحرير الشام. يتميز منهجه الفكري بالاستقلالية والبراغماتية، كما يتضح من مواقفه التي لا تخضع دائمًا للتيار السائد، سواء في قضايا الحرب أو العقيدة.

الفصل الأول: مسيرة علم وجهاد: السيرة والنشأة

النشأة في دمشق

ولد الشيخ عبد الرزاق المهدي في دمشق عام 1961، ويُعرف باسمه الكامل عبد الرزاق بن غالب المهدي الدمشقي، وكنيته أبو عبد الرحمن الشامي.1 تعود أصوله إلى منطقة الصالحية بدمشق، الواقعة عند سفح جبل قاسيون، حيث نشأ في كنف عائلته بالقرب من جامع الحنابلة المعروف.2 هذه النشأة في بيئة دمشقية عريقة ذات تاريخ علمي وديني غني، هي بمثابة حجر الزاوية الذي شكّل هويته المبكرة، ومَهّد الطريق لمسيرته الشرعية.

التأسيس العلمي

بدأ الشيخ المهدي رحلته في طلب العلم الشرعي في سن السادسة عشرة، حيث التحق بمعهد الفتح الإسلامي في دمشق عام 1977.1 درس في المعهد مجموعة واسعة من العلوم الشرعية، بما في ذلك اللغة العربية بفروعها، والفقه، والأصول، والعقيدة، وعلوم القرآن.2 انقطعت دراسته مؤقتًا بسبب أحداث حماة في عامي 1979 و1980، مما اضطره للسفر إلى ليبيا.2 بعد عودته، أدى خدمته العسكرية الإلزامية لمدة ثلاث سنوات، ثم عاد إلى المعهد ليكمل دراسته، وتخرج منه بتقدير “جيد جدًا” وحصل على المركز الثالث على دفعته.2

شيوخه: درس على يد شيوخ، أبرزهم الشيخ عبد الرزاق الحلبي (مفتي الحنفية)، والشيخ عبد القادر الأرناؤوط، والشيخ صالح الفرفور، والشيخ أديب الكلاس.4

من الجدير بالذكر أن معهد الفتح الإسلامي كان يُعتبر معقلًا للمذهب الأشعري والمذهب الحنفي، وهو ما يبرز تطورًا فكريًا هامًا؛ فعلى الرغم من نشأته العلمية هناك، إلا أنه يُعرّف نفسه لاحقًا بأنه على “منهج السلف وأهل الحديث”.3

الفصل الثاني: ورشة عمل العالم: الإسهامات الفكرية والأكاديمية

مسار المحدث

يُعرف الشيخ عبد الرزاق المهدي بلقب “المحدث” و”الفقيه”.2 تُركز أعماله العلمية على علوم الحديث، ولا سيما في مجالات التخريج، والتصحيح، والتضعيف.1 هذا التخصص الدقيق يمنحه سلطة علمية قوية وفريدة في سياق الثورة السورية.

قائمة مختارة من أعماله وتحقيقاته

العنوان المؤلف الأصلي الموضوع
تفسير القرآن العظيم ابن كثير تفسير
تفسير القرطبي القرطبي تفسير
فتح القدير الشوكاني تفسير
الروض المربع البهوتي فقه
زاد المعاد ابن قيم الجوزية سيرة وفقه
تلبيس إبليس ابن الجوزي عقيدة وسلوك

الفصل الثالث: العالم في مسرح الحرب: الانخراط في الثورة السورية

بعد اندلاع الثورة السورية، عاد الشيخ عبد الرزاق المهدي إلى سوريا لينخرط في دعم المقاتلين المعارضين للنظام.1 يُمثل هذا الانتقال من العالِم الساكن إلى الشخصية الثورية الفاعلة جانبًا من شخصيته التي دمجت بين العلم والجهاد. تولى أدوارًا رسمية ضمن الفصائل، حيث كان أحد الشرعيين في هيئة تحرير الشام، وشغل منصب قاضٍ في جيش الفتح عام 2016، كما قام بتأسيس “جيش العسرة”.12

الفصل الرابع: مسار المعارضة: الانفصال عن هيئة تحرير الشام

في عام 2017، أعلن المهدي انسحابه من هيئة تحرير الشام بسبب “عدم قدرته على رفع الظلم وإنصاف المظلومين”.11 أصبح لاحقًا صوتًا معارضًا بارزًا، شارك في احتجاجات إدلب وأيّد مطالب المتظاهرين بإنهاء التعذيب وإطلاق سراح المعتقلين.10 التقى بالجولاني عدة مرات، ووصف تحول موقف الأخير من الحوار الهادئ إلى التهديد غير المباشر، مما كشف عن الطبيعة السلطوية للهيئة.13

الفصل الخامس: المواقف من القضايا المعاصرة

موقفه من عملية طوفان الأقصى

اتخذ الشيخ المهدي موقفًا غير تقليدي من عملية طوفان الأقصى، حيث أبدى عدم تفاؤله منذ البداية واعتبرها “خطأ”.10 استند في رأيه إلى أن العملية تفوق قدرات حركة حماس في قطاع غزة، وأنها ستؤدي إلى نتائج كارثية وغير متكافئة. وعلى الرغم من أن موقفه لم يكن مؤيدًا للعملية، إلا أنه أشار لأثرها الإيجابي غير المقصود في إضعاف “المحور الإيراني” في المنطقة.13

موقفه من حماس

يقول الشيخ المهدي: “نحن نخالف حماس في مدحهم لملالي طهران ولا نقرهم ونرى أن ملالي طهران قد جمعوا بين الكفر والشرك.. إلا أننا لا نوافق قول من يكفر قادة حماس فكما هو معلوم أن من موانع التكفير التأويل وهذا الظاهر أنهم متأولون ومدحهم لهم من باب التقية أو هي تصريحات سياسية بسبب حاجتهم للدعم الذي تقدمه إيران لهم بعد امتناع حكام العرب والمسلمين من دعمهم!”

ويرد على من يقول إنهم أضلوا الناس: “لم يضلوا الناس فهم ليسوا علماء كبار حتى تؤخذ عنهم الفتوى ثم الشعب الفلسطيني معظمه سني.. وهناك وجهة نظر لهم فقد ذكر لي أحدهم أن بعض قادة حماس يعلم ضلال وكفر ملالي طهران لكن بما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‘الحرب خدعة’ متفق عليه.”

المصدر: تلغرام الشيخ عبد الرزاق المهدي

موقفه من الأشعرية

“أقول لإخواني وأبنائي من الشباب السلفية: إن معظم علماء الأمة بعد القرن الثالث من المالكية كالقاضي عياض وابن العربي والمازري وأبو الوليد الباجي والقرطبي ومن الشافعية كالخطابي والماوردي والعز بن عبد السلام والنووي والعراقي والعلائي وابن حجر والسخاوي وغيرهم كثير.. ومن نفى عن النووي وابن حجر الأشعرية فقد أخطا فهما من الأشعرية الفقهاء والمحدثين وليسوا من المتكلمين..”

الخلاصة المنهجية: “الذي نختاره في المنهج والاعتقاد أننا على مذهب السلف من الصحابة والتابعين وتابع التابعين ومنهم: الإمام مالك والأوزاعي وسفيان الثوري وحماد بن سلمة وحماد بن زيد والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وإسحق ابن راهويه والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم. نتابعهم ونقتدي بهم ونقف حيث وقفوا ولا نحيد عن منهجهم في الأسماء والصفات وسائر مسائل العقيدة.”

المصدر: تلغرام الشيخ عبد الرزاق المهدي

موقفه من الانتخابات

يرى الشيخ أن “(مسألة الانتخابات ترجع لباب المصالح والمفاسد)، فالمصالح والمفاسد أصل عظيم وباب مهم في دين الإسلام بل إن الأحكام الشرعية مبناها على المصالح والمفاسد”.

المصدر: تلغرام الشيخ عبد الرزاق المهدي

الدعوة إلى التسامح وانتقاد المحور الإيراني

دعا المهدي إلى التسامح وعدم التعميم في الأحكام الطائفية، مؤكدًا أن الكثير من أبناء الطائفتين العلوية والدرزية كانوا معارضين للنظام.10 كما يُعرف بانتقاده الشديد للمحور الإيراني وتفصيل “حقيقة الإمامية الاثني عشرية” في مقالاته.8

الفصل السادس: شخصية مثيرة للجدل: الانتقادات والتصور العام

يواجه المهدي انتقادات فكرية من داخل التيار السلفي، مثل نقد محمد بن شمس الدين لمنهجه في التعامل مع المعتزلة والأشاعرة.16 كما تعرض لهجمات إعلامية من هيئة تحرير الشام ومضايقات أمنية، واحتجزته السلطات التركية مؤقتًا في مطار إسطنبول.9 ومن اللافت انضمام اسمه إلى قائمة الاغتيالات الصادرة عن تنظيم “داعش”، مما يؤكد تعارض مواقفه مع الأيديولوجيات المتطرفة.1

الخلاصة: الإرث والمستقبل

يُعدّ الشيخ عبد الرزاق المهدي شخصية استثنائية ترجمت سلطتها العلمية إلى عمل سياسي ومجتمعي، مضحياً بمناصبه من أجل مبادئ العدالة. إن انفصاله عن القوى المهيمنة وانخراطه في الاحتجاجات الشعبية جعله رمزًا للمعارضة المبدئية وصوتًا عقلانيًا في بيئة يسودها الاستقطاب.

 

Visited 105 times, 5 visit(s) today
Scroll to Top